الأحد، 28 أبريل 2013

Ƹ̴Ӂ̴Ʒ صندوق النمل Ƹ̴Ӂ̴Ʒ من يتألم في 'خزانة الألم'؟

 
 

 
 
 
 
 
 
 
 
LE_GROUPS_PIC
 
 

LE_GROUPS_PIC

LE_GROUPS_PIC

LE_GROUPS_PIC

 



من يتألم في 'خزانة الألم'؟
الياس خوري

فيلم 'The hurt locker'، للمخرجة الامريكية كاترين بيغولو، حصد الحصة الكبرى من جوائز 'الاوسكار'، خلافا لاكثرية التوقعات. وبذا تكون بيغولو المخرجة الامريكية الأولى التي تتربع على عرش افضل مخرجة، ويفوز فيلمها ايضاً بجائزة افضل فيلم.
عندما جئت الى نيويورك في اواسط كانون الثاني/يناير من هذا العام، لم يكن فيلم بيغولو في الصالات، فالفيلم الذي انتج عام 2008، نزل الى صالات نيويورك ولوس انجلس في حزيران/يونيو 2009، ولم يلاق رواجا كبيراً. كما انه عُرض في مهرجان البندقية السينمائي وغيره من المهرجانات الدولية، لكنه مرّ مروراً عابراً.
ماذا جرى كي يفوز فيلم، بتكلفة صغيرة، بالمقاييس الامريكية، يروي حكاية مجموعة صغيرة من الجنود الامريكيين الذين يفككون الالغام والعبوات الناسفة في العراق، بكل هذه الجوائز؟
بعد نيله الأوسكار، عاد الفيلم الى الصالات، وشاهدته، وفهمت.
اعتقدت في البداية انه فيلم يعبّر عن حساسية نسائية، وهذا يعود الى الطريقة التي صوّر فيها الاعلام الصراع بين مخرجته وزوجها السابق جيمس كاميرون مخرج فيلم 'آفاتار'.
ثم عزوت الأمر الى التباسات عنوان الفيلم، الترجمة الحرفية للعنوان هي 'خزانة الألم'، لكنها ترجمة لا تنقل روح التعبير العامي لعبارة 'The hurt locker'، وهو تعبير استنبط خلال حرب فيتنام، كي يعني العيش في مأزق. وتذكرت مجموعة من التعابير التي صكّتها الحرب الأهلية اللبنانية كتعبير 'التشبيح'، المأخوذ من كلمة شبح، للإشارة الى اشباح المسلحين الذين كانوا يقتلون وينهبون. الترجمة الأفضل لعنوان الفيلم هي 'العلقة'، بالدارجة اللبنانية، التي تعني الوقوع في المصيدة. وربما كان التعبير الدارج 'اكلناها'، بمعنى ابتلاع الطعم، هو الأقرب الى المعنى. قلت اذا كان عنوان الفيلم يدلّ على الوقوع في المصيدة، فهذا يعني ان بيغولو ارادت من فيلمها موقفاً نقدياً ضد الاحتلال الامريكي للعراق.
واخيرا، فإن موازنة الفيلم الصغيرة، وخروجه عن الانتاج الهوليوودي، وتصويره بكاميرا محمولة على الكتف، مما يوحي بأنه يشبه الأفلام التسجيلية، اضافة الى اصرار المخرجة على تصوير فيلمها في المنطقة، في الأردن والكويت، كلها عوامل ساهمت في تقديمه وكأنه خروج على القواعد المتبعة، وجعلته مرشحا محتملا للفوز.
لكنني فوجئت بأن هذه الاحتمالات الثلاثة لا معنى لها.
لا وجود لأي حساسية نسائية في الفيلم، او لأي تحدٍ للقيم الذكورية. فالفيلم يقوم على تمجيد الذكورة وبطولاتها. العلاقة بين الجنود الثلاثة: الرقيب وليم جايمس (الممثل جيرمي رينر) والرقيب سانبورن (الممثل انطوني ماكي) والجندي اوين الدردج (الممثل بريان جيراكتي) هي علاقة ذكورية تقوم على البطولة وادعاءاتها. يشذ عن هذه القاعدة الجندي الدردج بسبب خوفه، لكننا امام مثلث رأس حربته بطل امريكي عمل في افغانستان، ويمارس اليوم تحديه للخطر في العراق هو الرقيب وليم جايمس الذي يجسّد صورة رامبوية جديدة.
تقمصت المخرجة شخصيات ابطالها الذكور، الى درجة اننا لا نعثر على جندية امريكية واحدة في العراق. ربما تجنب الفيلم الاشارة الى الجنديات كي لا يتذكر جمهور المشاهدين 'مآثرهن'، في بورنوغرافيا سجن ابو غريب الوحشية.
الموقف السياسي النقدي الذي يوحي به عنوان الفيلم غائب. انه فيلم للتعاطف مع الجنود الامريكيين في العراق، لا اكثر ولا اقل. لكن كلمة تعاطف حمّالة اوجه، لأنها تفترض عدم طرح السؤال البديهي: لماذا اتى هؤلاء الى العراق؟ وفي خدمة اي قضية؟ الغريب ان السيدة بيغولو لم تطرح على نفسها هذا السؤال. اكتفت بتجربة الصحافي الامريكي مارك بوال في العراق، الذي كتب السيناريو، واندفعت الى فيلمها، كي تنقل لنا لحظات توتر الجنود الامريكيين وهم يقومون بنزع العبوات الناسفة. لم يخطر في بالها ان تسأل لماذا يقاوم العراقيون الغزاة، فالسؤال لا وجود له في قاموسها، لأنها تضع فيلمها منذ البداية في خانة الصراع بين الخير والشر، بين جنود يخاطرون بحياتهم، وبين حفنة من الإرهابيين الذين لا نرى وجوههم، اذ لا نراهم الا من منظار البندقية التي تُرديهم.
هنا يقع الفرق بين هذا الفيلم و'آفاتار'، حيث نرى السكان الأصليين ومعاناتهم. صحيح ان البطل في 'آفاتار' جندي امريكي، لكنه يتمرد على وحشية جيش الغزاة، ويقود السكان الأصليين في مواجهة مع المحتلين، معلنا تماهيه مع المضطهدين ورفضه للمنطق الاستعماري الأمريكي. لذا قام متظاهرو نعلين بتقمص شخصيات 'آفاتار'، في مواجهة الغزاة الصهاينة وجدارهم العنصري. وربما كان هذا احد اسباب الثمن الذي دفعه فيلم كاميرون، في ليلة السجادة الحمراء.
الاحتمال الثالث (الميزانية الصغيرة، والتصوير على الكتف)، قد يكون الاحتمال الأقرب الى الحقيقة. غير ان المخرجة اضاعت فرصة التصوير في الشرق الأوسط، لأن المشاهدين لم يروا العراق، بل رأوا الصحراء، ولم يروا العراقيين، بل رأوا كائنات بشعة بلا وجوه، وشعبا ذليلا، وذبائح وغبارا وذباباً وقطتين مريضتين وقبيحتين...
هل يُعقل ان لا نرى في فيلم عن بلاد ما بين النهرين اثرا لنهري مهد الحضارة الانسانية: دجلة والفرات؟ هل يمكن تصوير العراق بلا اشجار النخيل التي تحتل العيون؟ (هناك اكثر من ثلاثين مليون شجرة نخيل في العراق).
الفيلم صوّر في الصحراء، مستعيدا الصورة النمطية الاستشراقية عن العرب. كما ان السيناريو لم يلحظ العراقيين والعراقيات الا في وصفهم كائنات غريبة ووحشية، مما يوحي للمشاهدين ان الشعب العراقي هو المصيدة التي وقع فيها ابطال الفيلم الثلاثة. حتى الطفل العراقي الذي يلعب كرة قدم، والذي تعاطف معه الرقيب وليم جايمس، لأنه اطلق على نفسه اسم لاعب الكرة الانكليزي بيكام، يتحول شبحاً، وسط كتلة الأشباح العراقية.
تغييب سكان البلاد الأصليين وتحويلهم الى ما يشبه الكم المهمل، الذي لا قضية له، تصل الى ذروتها الميلودرامية الساذجة، مع مشاهد الفيلم الأخيرة حين يحاول الرقيب انقاذ حياة عراقي لف جسمه بحزام ناسف، واتى مستصرخاً الامريكيين العون، لأنه لا يريد ان يموت؟ حتى مرتزقة الشركات الأمنية الامريكية يبدون اكثر انسانية بما لا يقاس من العراقيين.
لماذا اذا اصرت المخرجة على التصوير على الحدود العراقية الاردنية؟ هل من اجل ان يتذّوق الممثلون طعم الرمل والحرب، فتبدو الحكايات اشبه بالحقيقة؟ ام لأنها تعتقد فعلا ان صحراء العرب هي الصحراء، اما صحراء نيفادا فهي جنة مقارنة بملح صحراء العرب؟
فيلم نمطي لا يضيف شيئاً على لغة المستشرقين المهيمنة. وركاكة لا تنقذها ذكورة توحي ببطولات وهمية، لا تستحق اسم البطولة.
اوسكارات المرأة الأولى في تاريخ السينما الأمريكية كانت هذا العام مجرد قناع لذكورة كولونيالية، لا تزال تكرر نفسها في شكل رتيب، معتقدة انها تقترب بذلك من معاناة الجنود.

لو سأل كاتب السيناريو والمخرجة نفسيهما عن الألم الكبير في خزانة الألم العراقية، لأكتشفا ان عليهما، اذا لم يكونا قادرين على الخروج من العقلية التقليدية الكولونيالية، ان يصنعا فيلما خفراً، يخجل من ممارسات جيش الاحتلال، بدل ان يفتخر بها، ويدين من صنع هذه المصيدة الدموية، بدل تجاهل الموضوع.

 

LE_GROUPS_PIC

LE_GROUPS_PIC


                        
 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق